عقدة بناتي
عندما تسير بنا الأيام بمشاهد مختلفة، حتما سنجد أنفسنا بحاجة لمن نتكئ عليه في بعض المساحات الضبابيّة التي تحتاج إلى إيضاحات نفسيّة واجتماعيّة
أنا امرأة مطلقة منذ عشر سنوات بعد رحلة عذاب عشرين سنة مع زوج لم يترك طريقة إلا عذّبني بها، وطلقني بعد أن اتفقنا أن أتولى أنا تربية الأبناء وهم ابنتان وولد، شريطة أن لا أطالبه بأيّ مبلغ لي أو لهم، وطبعا وافقت في سبيل أن أرتاح من عذابه المستمر، وهذا الشيء الوحيد الذي اتفقنا عليه خلال رحلة الزواج، وفعلا وفّر لي أشقائي شقة بسيطة على أن أتكفل أنا بالمصاريف، ولأنني بدون شهادة جامعيّة أو خبرة لم يكن سهلا عليّ إيجاد عمل فعملت في إعداد الطعام وبيعه والخياطة وجليسة أطفال. وهكذا مرت الحياة واستطعت بفضل الله أن أكمل مسيرة أبنائي الحياتيّة والدراسيّة ولكن – وبدون أن أقصد – كنت طوال الوقت أذكر أمام أبنائي صفات والدهم السيئة وتصرفاته معي وأشتمه وأشتم كل الرجال، وكنت طوال الوقت أعمم الصفات السيئة التي كان يمارسها زوجي على كل رجال العالم، وكنت كل الوقت أحذّر بناتي من جنس الرجال وأحاول أن أخوّفهم من الرجال ومن الحب ومن الزواج، إلا أن أفقت على حقيقة ونتيجة تصرفاتي بأن بناتي أصبحن فعلا يخفن من الرجال ولا يردن أن يتزوجن، ابنتي الكبرى الآن أصبح عمرها 29 سنة وهي ترفض أيّ عريس وتصرح للجميع بأنها تكره الرجال ولن تسمح لرجل أن يستغلها أو يؤذيها، وكذلك أختها 27 سنة وعندما أحاول أن أناقشهن طبعا يصحن في وجهي: أليس هذا ما كنت تقوليه لنا؟ لماذا غيّرت رأيك؟ وإذا حاول أيّ شاب التقرب لهما تصيحان فيه وممكن أن تقوما برد فيه قلّة أدب فيهرب. إلى أن أصبح الجميع يتهرب من موضوع زواجهما بل أصبحوا يقولون بأنهما غير طبيعيّتين، وهذا ما أرفضه لابنتاي، فأنا أم أريد أن أفرح بهما واطمئن عليهما، والطامة الكبرى حتى علاقتهما بأخيهما سيئة للغاية خاصة بعد أن كبر وتخرّج من الجامعة، وأصبح يعمل، وأحيانا إذا حاول أن يبدى رأيه في تصرفاتهما، تصل الأمور بينهم إلى حد الاشتباك بالأيدي. ابني قرر أن يترك البيت ويعيش بمفرده حتى يبتعد عنهما، أشعر أنني فشلت في تربية أبنائي التربية السليمة. ماذا أفعل؟سيدتي:
من المؤسف أن نسقط مشاكلنا وهمومنا على الأبناء، فهذا ليس دورهم أو مهمتهم في حياتنا وننسى ما يمكن أن يحدث لهم ولنفسيّتهم نتيجة هذا الإسقاط، ومن الأخطاء التي نقوم بها وبكثرة مسألة التعميم. ولكن الآن لابدّ من اتّباع الآتي:
أولا: لابد أن يتم حوار بينك وبين الأبناء تشرحين فيه الظروف القاسية التي مرت عليك وأنك لم تكوني تقصدين ما تفوهت به من أحكام ونصائح فهي جاءت نتيجة الظروف الضاغطة التي مرت بك. وهذا الحوار والإيضاح لا يتمّ في جلسة واحدة بل لابد أن يتكرر بين الحين والآخر، ومن الجميل أن تعترفي بخطئك لهم وأنك لم تُحسني التصرف في تلك الفترة لقلّة خبرتك وعدم درايتك بكيفيّة التعامل مع الصدمات وضغوط الحياة بطريقة صحيحة وسليمة. مع التذكير بنماذج للأزواج السعداء وخاصة من الأقارب والمعارف والجيران.
ثانيا: حاولي أن تشرحي لابنك ما تمرّ به شقيقتاه وتطلبي منه التفهّم ومحاولة احتوائهما والمساعدة في حل هذه المشكلة، أما خروجه من البيت فسيُفسر كأنه هروب وهذا سيزيد من ترسيخ بعض الأفكار غير العقلانيّة لديهن.
ثالثا: يمكنك الاستعانة بمختص نفسيّ يُقدّم جلسات تدور حول التفكير المعرفيّ وتفنيد الأفكار غير المنطقيّة التي تمّ زرعها في عقلهما.
والله الموفق.


